الشوكاني
370
فتح القدير
متعجب من حسنه ، قيل مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه ، والمعنى : لا تستحسن ما معهم من الأموال والأولاد ( إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ) بما يحصل معهم من الغم والحزن عند أن يغنمها المسلمون ويأخذوها قسرا من أيديهم مع كونها زينة حياتهم وقرة أعينهم ، وكذا في الآخرة يعذبهم بعذاب النار بسبب عدم الشكر لربهم الذي أعطاهم ذلك ، وترك ما يجب عليهم من الزكاة فيها ، والتصدق بما يحق التصدق به وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة لأنهم منافقون ، فهم ينفقون كارهين فيعذبون بما ينفقون . قوله ( وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) الزهوق : الخروج بصعوبة ، والمعنى : أن الله يريد أن تزهق أنفسهم وتخرج أرواحهم حال كفرهم لعدم قبولهم لما جاءت به الأنبياء وأرسلت به الرسل ، وتصميمهم على الكفر وتماديهم في الضلالة ، ثم ذكر الله سبحانه نوعا آخر من قبائح المنافقين فقال ( ويحلفون بالله إنهم لمنكم ) أي من جملتكم في دين الإسلام والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكتاب الله سبحانه ( وما هم منكم ) في ذلك إلا بمجرد ظواهرهم دون بواطنهم ( ولكنهم قوم يفرقون ) أي يخافون أن ينزل بهم ما نزل بالمشركين من القتل والسبي ، فيظهرون لكم الإسلام تقية منهم لا عن حقيقة ( لو يجدون ملجأ ) يلتجئون إليه ويحفظون نفوسهم فيه منكم من حصن أو غيره ( أو مغارات ) جمع مغارة ، من غار يغير . قال الأخفش : ويجوز أن يكون من أغار يغير ، والمغارات : الغيران والسراديب ، وهي المواضع التي يستتر فيها ، ومنه غار الماء وغارت العين ، والمعنى : لو وجدوا أمكنة يغيبون فيها أشخاصهم هربا منكم ( أو مدخلا ) من الدخول : أي مكانا يدخلون فيه من الأمكنة التي ليست مغارات . قال النحاس : الأصل فيه متدخل قلبت التاء دالا ، وقيل أصله مدتخل . وقرأ أبي " متدخلا " وروى عنه أنه قرا " مندخلا " بالنون . وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن " أو مدخلا " بفتح الميم وإسكان الدال . قال الزجاج : ويقرأ " أو مدخلا " بضم الميم وإسكان الدال . وقرأ الباقون بتشديد الدال مع ضم الميم ( لولوا إليه ) أي لالتجئوا إليه وأدخلوا أنفسهم فيه ( و ) الحال أن ( هم يجمحون ) أي يسرعون إسراعا لا يردهم شئ ، من جمح الفرس : إذا لم يرده اللجام ، ومنه قول الشاعر : سبوح جموح وإحضارها * كمعمعة السعف الموقد والمعنى : لو وجدوا شيئا من هذه الأشياء المذكورة لولوا إليه مسرعين هربا من المسلمين . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال : جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبار السوء يقولون : إن محمدا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا ، فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبي وأصحابه ، فساءهم ذلك فأنزل الله ( إن تصبك حسنة تسؤهم ) الآية . وأخرج سنيد وابن جرير عن ابن عباس ( إن تصبك حسنة تسؤهم ) يقول : إن يصبك في سفرك هذه الغزوة تبوك حسنة تسؤهم قال : الجد وأصحابه ، يعني الجد بن قيس . وأخرج أبو الشيخ عن السدي ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) قال : إلا ما قضى الله لنا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ( هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) قال : فتح أو شهادة . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ( أو بأيدينا ) قال : القتل بالسيوف وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : قال الجد بن قيس إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ولكن أعينك بمالي ، قال : ففيه نزلت ( قل أنفقوا طوعا أو كرها ) الآية . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( فلا تعجبك أموالهم ) قال : هذه من تقاديم الكلام ، يقول : لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : إنما يريد الله ليعذبهم بها